السيد محمد حسين فضل الله

53

من وحي القرآن

هو الذي يؤكد حاكميته في الخط الذي جعله لحكمه وموقعه الطاغوتي بتأكيد المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تفتح له آفاق الذهنية العامة للناس في عناصر الفساد المتنوعة الداخلية والخارجية ، بحيث يتحركون تبعا لإيحاءاتها ومعطياتها ونتائجها . فإن الحاكم الطاغوتي الذي يرتكز حكمه على قاعدة ثقافية ذهنية عامة ، أكثر قوّة من الحاكم الذي ينطلق بالقوة وحدها في فرض سيطرته على الناس . وبذلك يقف الإنسان المسلم في الحياة أمام خيارين لا ثالث لهما ، الإيمان بالطاغوت الذي يعني الارتباط بخط الكفر والباطل ويؤدي إلى الكفر باللَّه ، والإيمان باللَّه الذي يعني الانطلاق في حركة الحياة من موقع الحق في ما يمثله من امتداد ومسؤولية وشمول ، ويمثل في مدلوله العميق الكفر بكل ما عدا اللَّه ، ومن عداه من خطوط الباطل وقواه . فلا يمكن أن يجتمع في قلب إنسان مؤمن وحي اللَّه ووحي الطاغوت ، وفي حركة إنسان مؤمن ، خطوات الحق وخطوات الباطل ، لأن آفاق الإنسان لا تتحملهما معا إذا كان الإنسان يتحرك في الحياة من موقع الجديّة والمسؤولية في ما تعنيه كلمة الإنسان المسؤول . وربما ينطلق التساؤل ، لماذا هذا الحديث عن الكفر بالطاغوت قبل الإيمان باللَّه في هذه الآية كما هو الأسلوب نفسه في قوله تعالى : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى [ الزمر : 17 ] . والجواب عن ذلك : أن الإيمان ينطلق من انفتاح القلب أو العقل على اللَّه بحيث لا يكون في داخله أيّ موقع لغيره ، حتى يكون الإيمان صافيا نقيّا خالصا في إيحاءاته وخلفياته ومعطياته ، لئلا يسيء الجو الداخلي في زحف المشاعر الخفية السلبية إليه ، فتختلط الصورة ، ويرتبك الإحساس ، ويمتزج